فخر الدين الرازي

27

الأربعين في أصول الدين

ولا بالمكان . وأيضا : لا يمكن أن يكون ذلك التقدم تقدما بالزمان . والالزام أن يكون ذلك الزمان حاصلا في زمان آخر ، ثم يعود الكلام في ذلك الزمان ، كما في الأول . فيفضى إلى أن تحصل أزمنة ، لا نهاية لها دفعة واحدة . ويكون كل واحد منها ظرفا للآخر . وذلك مجال . لأن مجموع تلك الأزمنة التي لا نهاية لها ، يكون أمسها متقدما على يومها . فيلزم افتقار ذلك المجموع إلى زمان آخر ، يحيط به . وذلك محال . لأن الزمان المحيط بذلك المجموع ، يجب أن يكون خارجا عنه . لأن الظرف مغاير للمظروف . ويجب أن لا يكون خارجا عنه . لأن مجموع الأزمنة لا بد وأن يدخل فيه كل واحد من آحاد الأزمنة . فيلزم أن يكون ذلك الزمان خارجا عن ذلك المجموع ، وغير خارج عنه . وهو محال فثبت : أن تقدم الأمس على اليوم ، تقدم خارج عن الأقسام الخمسة ، التي ذكرتموها . فلم لا يجوز أن يكون تقدم عدم العالم على وجوده ، وتقدم وجود اللّه تعالى على وجود العالم ، على هذا الوجه ؟ وحينئذ يزول الاشكال المذكور . البحث الثاني في تفسير المحدث : وهو ان صحة حدوث الحوادث . اما أن تكون لها بداية ، أو لا تكون . والقسم الأول باطل . لوجوه : أحدها : انه لو كان للصحة أول لما كانت الصحة الذاتية حاصلة قبل ذلك المبدأ . وإذا لم تكن الصحة الذاتية حاصلة قبل ذلك المبدأ ، فالحاصل قبل ذلك المبدأ اما الوجوب الذاتي ، أو الامتناع الذاتي . فإن كان الأول كان القول بقدم العالم : ألزم . وان كان الثاني فالعالم قبل ذلك المبدأ : كان ممتنعا لذاته ، ثم انقلب ممكنا لذاته . وهذا محال . لأن الأمور الذاتية لا تتقلب البتة . ولو جوزنا ذلك ، فحينئذ لا يبقى الوثوق بحكم العقل في جواز الجائزات ووجوب الواجبات ، وامتناع الممتنعات . ولعن سائر الممتنعات لذواتها تنقلب واجبة لذواتها ، أو بالضد . وكل ذلك باطل .